عدلي برسوم.. قديس الصحافة المصرية.. وداعاً
عدلي برسوم.. قديس الصحافة المصرية.. وداعاً
قبل ثورة يوليو.. وبعدها.. عرف عدلي برسوم طريقه إلي المعتقلات، وقضي بها سنوات طويلة تحت راية اليسار، ولم أسمعه مرة واحدة يتاجر بنضاله.. أو يبحث عن مقابل لتضحياته.. بينما لم يتوقف بعض الذين تعرضوا للاعتقال ولو لشهور معدودة.. عن الحديث عن بطولاتهم المزعومة.
كان عشق عدلي برسوم للوطن بلا حدود.. وظل يدافع عن حقوق الطبقات المحرومة في حياة أفضل.. حتي مقالاته الأخيرة.
بعد تخرجه عام 1951 في قسم الاجتماع.. عمل ضمن كتيبة المساء التي كان يقودها خالد محيي الدين.. وكانت تعبيرا عن فكر اليسار المصري، وانضم إلي الجمهورية بعد خروجه من المعتقل عام 1964، وعمل بالقسم الخارجي الذي كان يضم نخبة من الصحفيين المتميزين علي رأسهم محمد العزبي وطاهر عبدالحكيم وفيليب جلاب وعايدة ثابت وليلي الجبالي ومصطفي كمال، وكان متخصصا في الشئون الأفريقية.. وكانت تجربته الفريدة في العمل كمراسل للجمهورية في برلين الشرقية.. إضافة جديدة لخبراته المهنية، وعاد للجمهورية، ليعمل بالدسك المركزي.. ويقدم إسهاماته في الارتفاع بمستوي المادة التحريرية.
وكانت بداية الصدمات التي تعرض لها.. فقد رفيقة عمره وصديقته الوفية، وطالما كانت علاقتهما الفريدة مادة لمداعباتنا التي كان يتقبلها بصدر رحب.
كنا نري أن الاحترام الزائد بينهما مبالغ فيه.. ومراعاة كل منهما لمشاعر الآخر.. لا تتفق مع طبيعة العلاقات الزوجية.
وربما يصدق التعليق الساخر للصديقة ماجدة موريس.. بأن معاملة عدلي لزوجته كانت تعوض كل خطايا الرجال!
وكانت صدمته الأخري عندما لمس رغبة ولديه في الهجرة.. أحدهما هاجر بالفعل.. والآخر قرر العمل بإحدي دول الخليج..ربما كمحطة للهجرة.. ولم تنجح كل المحاولات التي بذلها في إقناعهما بالبقاء.. خاصة أنهما حققا نجاحا كبيرا في العمل. كان عدلي قمة في التواضع.. ونكران الذات.. وكانت سعادته لا تقدر عندما يذكره زميل بالخير. اتصل بي مرة مبكرا.. وسألني.. هل قرأت ما كتبه عني الأستاذ محمد أبوالحديد؟. وعندما أبلغته أنني لم أتصفح الصحف بعد.. قال دعني أقرأ لك.. فقرأ بضعة سطور يذكر فيها أبوالحديد أنه تعلم من عدلي برسوم، وأضاف أنه سيطلب مقابلته ويشكره علي عباراته الرقيقة.
ولم أنجح في إقناعه بأن أبوالحديد لم يتجاوز الحقيقة.. وأن عدلي يستحق أكثر من هذا. كان عدلي يحترم الرؤساء إلي أبعد مدي.. عاتبته مرة علي تعاونه مع أحد رؤساء مجالس إدارة الجمهورية.. الذي كان له السبق في نسف كل العلاقات الإنسانية بين الزملاء.. وهي التي كانت دوما تميز أسرة الجمهورية.
وكان رده أن الرجل «مسير لا مخير» وأن تعامله معه لا يتجاوز حدود العمل.. بالإضافة إلي أنه ساهم في زيادة توزيع الصحيفة.
ويغفر لعدلي أنه لم يحقق أي استفادة أدبية أو مادية.. أو يعين رئيسا لتحرير أحد الإصدارات العديدة التي كانت توزع علي أتباعه.. إلا من حاول منهم أن يحترم ذاته.. فقد كانت علاقة الرجل باحترام الذات مقطوعة. وعندما كانت الصحف تغلق أبوابها أمامه في بعض الفترات.. كان يجد كل الترحيب من أسرة «الأهالي».
فعندما أنهي تعاقده مع إحدي الصحف الخليجية.. وعاد إلي أرض الوطن.. ولم يتمكن من العودة إلي الجمهورية.. سألني.. هل يمكن أن أجد مكانا بـ «الأهالي»؟. وكان ردي التلقائي.. لا أحد يستأذن عند دخول بيته. وأدركت أنه يريد دعوة من رئيس التحرير.. وبالفعل اتصل به فيليب جلاب وأكد له أن وجوده معنا يعتبر إضافة مهمة للصحيفة، ولكنه وتحت إلحاح أصحاب الصحيفة الخليجية.. قرر أن يعود إليها مرة أخري.. ولم يضع في حسابانه أن معاملة أصحاب هذه الصحف للعرب الذين يتركونهم ثم يعودون إليهم، تتسم بالعجرفة والاستفزاز.
وكان العام الذي قضاه في الخليج من أقسي الأعوام التي مرت عليه، خاصة أنه عاد خالي الوفاض.. بعد أن أنفق كل مدخراته السابقة علي شراء السيارة والمنزل والأثاث.. ولم يحصل علي حقوقه المادية. وعند عودته أبلغني بأنه يرغب في العمل بـ «الأهالي».. واتصلت برئيس التحرير وكان وقتها نبيل زكي الذي رحب بانضمامه لأسرة «الأهالي».. التي عمل بها حتي عودته مرة أخري للجمهورية.
وتقتضي الأمانة أن أذكر المواقف الرائعة للمسئولين في دار التحرير تجاه الفقيد. أمر رئيس مجلس الإدارة السابق محمد أبوالحديد بتحمل المؤسسة جميع تكاليف العلاج.. سواء في مستشفي قصر العيني الفرنساوي.. أو مستشفي القوات المسلحة. ويحسب لمحمد أبوالحديد أنه أرسي هذا المبدأ وطبقه مع جميع الزملاء كما اتصل رئيس تحرير الجمهورية محمد علي إبراهيم بمكتب المشير طنطاوي.. واتفق معهم علي ترتيبات علاج الفقير بمستشفي القوات المسلحة.. حيث يوجد الجهاز الوحيد الذي يعالج حالته، وكلف مندوب الجمهورية بالقوات المسلحة بمتابعة الحالة وإبلاغه عن تطورها. وألغي رئيس مجلس الإدارة الحالي علي هاشم موعدا مهما تم الارتباط به مسبقا، لكي يحضر القداس الذي أقيم علي روحه الطاهرة ويشارك في الوداع الأخير للزميل الكبير. أما الزميلة جمالات يونس التي كانت بمثابة ابنته فجزاها الله خيرا عن كل ما قدمته.. في عصر أصبح فيه الوفاء «دقة قديمة».
رياض سيف النص
تاريخ نشر الخبر : 02/07/2009